أحمد بن سهل البلخي
119
مصالح الأبدان والأنفس
ومن ذلك أيضا ما بيّنه من أن الحاجة إلى تعاقب الحركة والسكون أمر يشترك فيه كل من الإنسان والحيوان ، يقول : « وإن السكون إذا دام وأفرط أحدث في البدن استرخاء وكسلا وثقلا ، وجمع فيه رطوبة تتمكّن معها العفونة إذا تطاولت بها المدّة . وإذا عفنت ولّدت الأمراض والعلل . وذلك أمر معتبر في الرطوبات الخارجة عن الأجساد ، من المياه الراكدة المحتبسة في النقائع والحياض من خلوص العفونة والفساد إليها إذا امتدّ بها الزمان باحتباسها وركودها في مواضعها ، وإذا كانت مياها جارية في الأنهار لم يصبها شيء من ذلك الفساد » ( 1 / 11 / 1 ) . كما يتضح ذلك في بعض التشبيهات ، كما في تشبيهه لحياة الإنسان بالمصباح ، ولجسمه بالفتيل ، ولغذائه بالدهن ، وللآفات التي تصيبه من خارج بالأعراض المطفئة للمصباح ( 2 / 8 / 20 ) . ومن الأهمية بمكان الوقوف على ما أشار إليه من ظاهرة محاكاة الإنسان بأفعاله الجبلية والمكتسبة لكثير من الظواهر الكونية حوله ، وقد أراد أن يصل من خلال تلك الظواهر إلى أن وحدة الصنع في الأكوان إنما تدل على وحدة الصانع ، وانفراده بالتدبير . ومثال ذلك قوله بأن الإنسان يشابه في الحكم سائر الحيوان ، من حيث التوقي من الحرّ والبرد ، فهو يتخذ الملابس التي تقوم مقام الأصواف والأشعار ، ويتخذ البيوت التي تقوم مقام الحجرات والمغارات ( 1 / 4 / 3 ) . ومثاله أيضا إشارته إلى أن البرد يؤثر في الشيء الساكن أكثر من المتحرك ، وأنه يعتبر ذلك بما يفعله البرد في الماء الراكد من إجماده إياه قبل إجماد الماء الجاري ( 1 / 4 / 8 ) . وقوله بأن الطبيعة قسمت البيض قسمين ، فجعلت الجزء الحار الرطب في صفرته ، والبارد الرطب في بياضه ، وهذا شبيه بتمييز الصناعة في اللبن بانقسامه بالمخض بين جزأين : الحار الرطب ، وهو الزبد ( نظير الصفار ) ، والبارد الرطب ،